يقول علماء النفس “كل المهاجرين تغلبوا على الصدمات الثقافية”

إن التكيف والاندماج في مجتمع جديد ليس عملية سهلة كما قد يعتقد البعض. يواجه معظم المهاجرين تحديات نفسية. إذا كنتم تشعرون بالتوتر أو الخوف أو الوحدة أو الضياع أو القلق بشأن المستقبل، فاعلموا أنه أمر طبيعي بالنسبة لأشخاص وصلوا للتو إلى بلد جديد. يقول المتخصصون أن أهم شيء هو التحدث عن هذه المشاعر وعدم الخوف من طلب المساعدة من طبيب نفسي مختص. نجري اليوم مقابلة مع الطبيب النفسي مانتاس جيرسوفاس

صحفي Laima Karaliūtė

ما هي التحديات النفسية الرئيسية التي يواجهها المهاجرون عند وصولهم إلى ليتوانيا؟
هذا السؤال يشمل مجموعة متنوعة جداً من الأشخاص من ضمنهم رجال أعمال، عمال، طلاب، أفراد الأسرة و طالبي اللجوء. تتشابه التحديات التي يواجهونها نوعاً ما ولكنها تختلف أيضاً من فرد لآخر. يعتمد نوع التحديات التي نواجهها على دوافع الانتقال، والبلد الذي أتينا منه (سواء كان متشابهاً ثقافياً مع البلد الذي انتقلنا إليه أم مختلفاً) بالإضافة إلى هدف الانتقال  سواء كان لغرض العمل أو الأسرة، للدراسة أو البحث عن اللجوء. بغض النظر عن كل ذلك، يعاني الجميع في البداية من صدمة ثقافية إلى حد ما. فيما بعد يبدأ الشخص في الاندماج على المستوى الاجتماعي والثقافي أو يختار الانعزال الذاتي. تُظهر الأبحاث أن الاندماج والاختلاط أفضل للصحة النفسية بينما تؤدي العزلة لمزيد من القلق والاكتئاب وقلة الثقة وفقدان الشخص الشعور بقيمته في المجتمع.

كلية Tomas Terekas

ماهي أفضل نصيحة لتخطي فترة التكيف بنجاح عند الانتقال إلى بلد جديد؟في الحقيقة لا توجد نصيحة ذهبية في هذا الخصوص لأنه إن وجدت، لكان شعر كل المهاجرون بالرضا والسعادة فور وصولهم. في أغلب الأحيان، يدرك المهاجرون مدى ضخامة الخطوة التي أقدموا عليها عند وصولهم إلى مقرّهم الجديد. من الطبيعي جداً أن يكون لديهم رد فعل على هذا التغيير وأن يكون لديهم العديد من الأسئلة. لذلك من المهم جداً دعم الذات. على سبيل المثال: يجب أن يذكّر المهاجرون أنفسهم دائماً ويقولوا ” مع مرور الوقت سوف نتعايش مع هذا الوضع الجديد”، “لقد أتينا إلى هنا من خلفية ثقافية مختلفة تماماً وسوف نعتاد تدريجيّاً على ثقافة البلد الجديد”، “إننا نمُرّ في مرحلة انتقالية وفترة صعبة ولكننا نبذل جهدنا لتخطيها، وقريباً سيكون كل شيء أفضل”. هذه أمثلة عن كيف يمكن للمهاجرين أن يدعموا أنفسهم فكما ذكرت سابقاً أنه من المهم جداً التحدث عما يجول في خواطركم و أن لا يدعوا الأمور تتراكم حيث يتوجب عليهم إخبار أصدقائهم وعائلتهم بما يشعرون به كي يقل التوتر.

تتمثل التحديات الرئيسية للمهاجرين في اللغة الأجنبية والثقافة الأجنبية وغياب الأصدقاء. فكيف لهم ألا يشعروا بالغربة والوحدة؟

لا يظهر الأصدقاء من العدم. يمكنكم تكوين صداقات من خلال المشاركة في نشاط ما أو القيام بشيء ما، سواء كان ذلك بشكل شخصي أو عن بُعد. على سبيل المثال، هناك مجموعات على تطبيق فيس بوك مثل Foreigners in Lithuania, Foreigners in Vilnius. تعتبر مثل هذه المجموعات بداية جيدة لتأسيس صداقات فربما تجدون شخصاً لبدء محادثة معه. كما يمكنكم الالتحاق بدورات في اللغة فهي تعتبر إحدى طرق العثور على أصدقاء جدد. إذا لم يكن ذلك مناسباً لكم، ابحثوا عن أنشطة أخرى تهمّكم أو اعتدتم القيام بها في بلدكم الأم كممارسة الرياضة أو الهوايات التي من خلالها يمكن إنشاء علاقات اجتماعية وصداقات. أما إذا كنتم تعملون ولا تملكون الوقت الكافي لممارسة الهوايات والمشاركة في الأنشطة، فيمكنكم الطلب من زملائكم في العمل الخروج لتناول الغداء مثلاً.

إذا كنتم بحاجة إلى مساعدة نفسية ، يمكنكم متابعة صفحة الفيسبوك التابعة لمكتب بلدية مدينة فيلنيوس للصحة العامة (باللغة الليتوانية ، Vilniaus visuomenės sveikatos biuras). في تلك الصفحة، ينشر المكتب الأنشطة المتعلقة بالصحة النفسية حيث يشارك كثير من الأشخاص.

كيف تتعاملون مع التحديق والملاحظات من السكان المحليين حول حقيقة أنكم تبدون مختلفين أو تعتنقون ديناً مختلفاً؟
يسبّب التمييز أوالتعصّب الكثير من المشاعر السلبية ولسوء الحظ، يواجه كل من الليتوانيين والأجانب هذه المشكلة. فالتعليقات و النظرات الغريبة تسبّب الغضب والعداء وتُشعر الأشخاص المتعرّضون لها بمزيد من التوتر والخوف والقلق، وهذا أمر طبيعي. كل واحد منا يتفاعل مع مثل هذه المواقف بشكل مختلف وغالباً ما تكون استجابتنا التلقائية وردة فعلنا متناسبة مع مشاعرنا في تلك اللحظة. هذا أمر مفهوم ولكنه نادراً ما يكون فعالاً. في مثل هذه اللحظات، من المهم أن تتمهلوا وتسيطروا على غضبكم ولغة جسدكم وذلك عن طريق أخذ عدة أنفاس عميقة ببطء. سيساعدكم ذلك على تهدئة أنفسكم قليلاً واتخاذ قرارات أكثر عقلانية. يجب أن تذكّرون أنفسكم دائماً بمقولة “ليس كل الليتوانيين لا يحبون الأجانب ولكن قد صادفت أننا التقينا ببعض الفظّين”. كما يجد البعض أنه من المفيد أن يقولوا لأنفسهم “بعض الناس غير متسامحين. سيتصرّفون مع غيرنا كما فعلوا معنا”. 

أخيراً، من المهم التحدث عن مثل هذه المواقف مع شخص سيفهمها. إذا وجدتم أنفسكم في موقف يكون فيه شخص ما عدائياً للغاية وكانت سلامتكم الجسدية في خطر، فمن الأفضل عدم تصعيد الموقف. يوصى بإبلاغ الشرطة عن طريق الاتصال برقم هاتف الطوارئ العامة 112. عندها تقوم الشرطة بفعل ما هو مناسب.

هل يجب أن تحاول أن تثبت للسكان المحليين أنك لست خطيراً لمجرد اختلاف الدين أو الأخلاق؟

الجواب هو كلا. يقوم الأشخاص بتكوين آرائهم على مدى فترة طويلة، لذا فإن المحادثات الفورية المباشرة لا تجدي نفعاً عادةً ولا تغير وجهات النظر. قالت الفيلسوفة حنا أرندت ذات مرة إنه لا توجد طريقة أفضل لمنع الغضب من محاولة رؤية العالم من خلال أعينهم. هذه هي الطريقة الوحيدة للشعور بالوحدة بدلاً من التفكك

هل من فائدة في التواصل مع طبيب نفسي إذا شعرتم أن لديكم مشاكل؟ هل سيتفهم الطبيب المحلي قضايا ومشاكل الأجنبي؟
أعتقد أنه من الجدير استشارة أحد المتخصصين إذا لاحظتم أنكم تواجهون صعوبات في التعامل مع شعور أو موقف ما. على وجه الخصوص، إذا لاحظتم أن هذه المواقف تتكرّر و تستمر في إفقادكم توازنكم ومن الصعب جداً التعايش معها، أو أنكم تختبرون مشاعر متطرفة وليس لديكم من تتحدثون عنها معهم.

أقدّر أن طلب المساعدة قد يكون صعباً بالنسبة للأشخاص من خلفيات مختلفة ثقافياً، مثل سوريا أو أفغانستان، وخاصة النساء، وأنه من الصعب تجاوز حاجز الثقة والانفتاح بما يكفي لطلب المساعدة أو قبولها. عادة ما يكون الرجال أكثر انفتاحاً وشجاعة في هذا المجال ويميلون إلى البحث عن أطباء نفسيين ذكور للتحدث معهم.

يميل الناس من الدول الشرقية إلى الخوف من كلمة “طبيب نفسي” لأنها مرتبطة في ثقافتهم بصفة “الجنون أو الاضطراب العقلي” الذي يحتاج للأدوية والمهدئات والحجر القسري. لكن في الحقيقة، يساعد الأطباء النفسيين على فهم ما تشعرون به بسهولة أكبر والتعامل معه من خلال جلسات الاستماع. بالطبع، بعض المواقف تستدعي العلاج. في هذه الحال سيحيلك الاختصاصي إلى مكان ما حيث يمكنك الحصول على العلاج المناسب. أعتقد أن الأمر يستحق المحاولة فبالتأكيد استشارة أحد المتخصصين لن تجعل الأمور أكثر سوءأ. إذا لم تشعرون بفائدة هذه الاستشارات، يمكنك ببساطة التوقف عن الذهاب. تكونون على الأقل قد جربتم واختبرتم أحد أنواع المساعدات المتوافرة. من المهم ألا تبقوا وحيدين مع ألمكم.

أين يمكنكم الحصول على استشارة نفسية مجانية؟

يوجد مشروع في مكتب المنظمة الدولية للهجرة في فيلنيوس بعنوان I Choose Lithuania. خلال هذا المشروع، يقدم طبيب نفسي استشارات مجانية عن بُعد وسرّية باللغات الليتوانية والروسية والإنجليزية للمهاجرين المقيمين في ليتوانيا. زوروا الرابط التالي لمزيد من المعلومات: www.renkuosilietuva.lt/lt/psichologas/ يمكنكم حجز موعد استشارة عبر التواصل على البريد الالكتروني psichologas@iom.int

مركز اندماج الأجانب في فيلنيوس
www.vilnius.caritas.lt/prieglobscio-ieskantiems-uzsienieciams/